Home » الرئيسية » مختارة » انا واصلة

انا واصلة

ما أكثر هؤلاء الذين يمشون ويتصرفون وكأنهم يملكون المكان أي مكان بكل ما فيه ومن فيه، تجدهم مثلا يمشون وكل جزء منهم يقول “يا أرض انهدي ما عليك قدي”، تجدهم أحرص الناس على وضعية الساعة المتلألئة والنظارة التي كتب اسم “ماركتها” في مكان بارز، وتجدهم أيضا يحرصون على إدخال مفردات خاصة بهم فمثلا حين يتحدثون عن السفر يبدؤون الحكاية قائلين حين كنا نشتري التذاكر للدرجة الأولى، رغم أن هذه التفصيلة لاتهمك ولا تهم أي سامع أو حتى أي “ملقوف”. وحين يتحدثون عن السيارة التي أقلتهم من المطار في ذلك البلد الغريب تجدهم يبدؤون بنوعيتها ولونها، وكما قلت لكم تفاصيل لا تهمكم، لكنها تفاصيل استعراضية تساهم في تضخيم الأنا الملتهبة لديهم والتي قد تنفجر في وجههم مالم يتم علاجها سريعاً! وبعيداً عن المظاهر والشكليات التي نعرفها ونقرأ تفاصيل المتباهين بها ونختار أن نتجاهلهم تمتد هذه التصرفات إلى حتى أكثر الأشياء عملية وجدية.

فإحداهن مثلا تقول بصوت عال لزميلاتها في العمل” تراي واصلة بس متواضعة”ولا أدري لماذا يناقض الوصول التواضع؟ ولماذا صاحبتنا تعتقد أنهما لا يجتمعان؟ وبيني وبينكم بودي أن يفسر لي مفهوم “الوصل/ الوصول/ الواصلين” فأنا أعرف “واصل البريدي الذي لم أحصل على خدمته حتى الآن رغم أننا دفعنا واتصلنا بخدمات العملاء وأعرف “الواصل” تلك الشخصية التلفزيونية التي نثرت الابتسامة على وجوهنا. لكن يبدو أن “الوصول ومشتقاته” مفهوم متأصل في المجتمع يشبه الخصوصية! و يبدو أنه مفهوم مهم يكفل لصاحبه حق التفوق والتميز عن الآخرين فتجد “الواصل” يتحدث عن فلان المدير وعلان قريب رئيس مجلس الإدارة وكأنهم أصدقاؤه الحميميون ليوهم من أمامه بأنه يملك من الصلات الاجتماعية ما تضمن بقاءه وتفوقه، كما أنه أكثر الناس حرصا على إيهام الآخرين بأنه يعرف ما لا يعرفون ويملك من المعلومات الاجتماعية التي تفسر له العلاقات المتشابكة في العمل مثلا وهذا أيضا يعطيه شيئاً من التميز ويجعله يستخدم التهديد أحيانا والتهويش أحيانا.

أحدهم كان يتباهى بلقائه شخصية مهمة في تلك المؤسسة التي يعمل فيها أمام مجموعة من الزملاء ليلتفت نحوه أحدهم متسائلا: متأكد أنك قابلته وذكر لك هذا الكلام! ليحلف صاحبنا ويؤكد أن اللقاء حدث صباح اليوم في قاعة الاجتماعات، ليرد السائل: لكن كيف قابلته وهو مسافر! ليكتشف صاحبنا الواصل المتباهي بمعرفته لتلك الشخصية المؤثرة في مكان العمل، أن هذا الشخص المهم هو خال السائل، فبالتالي فإن السائل أدرى بتحركات خاله… وهكذا انكشفت لعبته!