Home » الرئيسية » مختارة » فشة خلق

فشة خلق

أثناء دراستي في عقد السبعينات بالولايات المتحدة الأميركية، سرق أحد اللصوص عجلات سيارة جاري العربي من موقفها أسفل العمارة التي نسكنها، وجاءت الشرطة، وعاينت العربة والمكان، وتوجه أحد رجالها لصاحب العربة منبها إلى أنه في حالة العثور على اللص فإن عليه الاتصال بالشرطة، فتعالى صوت صاحب السيارة منفعلا – على طريقة بعضنا في المبالغة – وهو يقول: «لو عثرت عليه سأشرب من دمه».

لم تلق هذه العبارة لدى الحضور من العرب أي اهتمام، لأنهم يدركون أن الأمر ضرب من المبالغة، فلا صاحب العربة «دراكولا»، ولا اللص سيعود ليعلن أنه الذي سرق العجلات، لكن البوليس أخذ كلام الرجل العربي على محمل الجد، وهو يقول لصاحب العربة المنفعل بلغة حازمة: «إن شرب الدماء عمل إجرامي، يعاقب عليه القانون».

وراح الجيران في العمارة يسألوننا بجدية إن كان صديقنا العربي من فصيلة تشرب دماء البشر، وعلى الرغم من نفينا، فإنهم ظلوا يتحاشون الرجل في خروجه ودخوله إلى العمارة، وغدا منبوذا إلا من أصدقائه العرب، فالكل أخذ العبارة على محمل الجد، ولم يعتبروها مجرد «فشّة خلق»، كما تعودنا أن نعتبرها في العالم العربي، فخافوا على دمائهم من أنياب صديقنا العربي، التي صادف أن كانت على درجة لافتة من البروز.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرأ خبرا بعنوان: «طالب سعودي يهدد بتفجير جامعة أميركية»، فالطالب – الذي حصل على درجات متدنية في معهد اللغة – أراد أن «يفشّ خلقه» على مسامع البعض، فهدد بأنه سيفجر الجامعة، واعتبر الناس هناك ما قاله تهديدا حقيقيا يتطلب حالة طوارئ، فأخلت فرق الإنقاذ الحرم الجامعي، وبدأت عمليات بحث مكثفة، امتدت إلى منزل الطالب في محاولة للعثور على القنابل التي يعتزم استخدامها في التفجير، كما بحثوا في سجل الطالب وملفاته، ولم يجدوا شيئا يعزز ظنونهم، فاعتقلوا الطالب، ثم أطلقوا سراحه بعد ذلك بكفالة، وسيمثل أمام المحكمة الأميركية في 18 من الشهر الحالي لتهديده بتفجير الحرم الجامعي.

هكذا أدخل الطالب نفسه في ورطة من حيث لا يدري، حينما ظن أن الكلام في أميركا ليس عليه «جمرك»، فزاد جرعة «البحبحة»، و«فشّة الخلق»، وكانت النتيجة توقيفا، ومحاكمة، وقد يصل الأمر إلى حد ترحيله من البلاد. فيا مبتعثي العرب إلى أميركا: «لسانكم حصانكم»، شدوا زمامه، واقتصدوا في القول، فالكلام عليه رسوم، وحساب، ومسؤولية.