Home » الرئيسية » مختارة (Page 2)

Category Archives: مختارة

فشة خلق

أثناء دراستي في عقد السبعينات بالولايات المتحدة الأميركية، سرق أحد اللصوص عجلات سيارة جاري العربي من موقفها أسفل العمارة التي نسكنها، وجاءت الشرطة، وعاينت العربة والمكان، وتوجه أحد رجالها لصاحب العربة منبها إلى أنه في حالة العثور على اللص فإن عليه الاتصال بالشرطة، فتعالى صوت صاحب السيارة منفعلا – على طريقة بعضنا في المبالغة – وهو يقول: «لو عثرت عليه سأشرب من دمه».

لم تلق هذه العبارة لدى الحضور من العرب أي اهتمام، لأنهم يدركون أن الأمر ضرب من المبالغة، فلا صاحب العربة «دراكولا»، ولا اللص سيعود ليعلن أنه الذي سرق العجلات، لكن البوليس أخذ كلام الرجل العربي على محمل الجد، وهو يقول لصاحب العربة المنفعل بلغة حازمة: «إن شرب الدماء عمل إجرامي، يعاقب عليه القانون».

وراح الجيران في العمارة يسألوننا بجدية إن كان صديقنا العربي من فصيلة تشرب دماء البشر، وعلى الرغم من نفينا، فإنهم ظلوا يتحاشون الرجل في خروجه ودخوله إلى العمارة، وغدا منبوذا إلا من أصدقائه العرب، فالكل أخذ العبارة على محمل الجد، ولم يعتبروها مجرد «فشّة خلق»، كما تعودنا أن نعتبرها في العالم العربي، فخافوا على دمائهم من أنياب صديقنا العربي، التي صادف أن كانت على درجة لافتة من البروز.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرأ خبرا بعنوان: «طالب سعودي يهدد بتفجير جامعة أميركية»، فالطالب – الذي حصل على درجات متدنية في معهد اللغة – أراد أن «يفشّ خلقه» على مسامع البعض، فهدد بأنه سيفجر الجامعة، واعتبر الناس هناك ما قاله تهديدا حقيقيا يتطلب حالة طوارئ، فأخلت فرق الإنقاذ الحرم الجامعي، وبدأت عمليات بحث مكثفة، امتدت إلى منزل الطالب في محاولة للعثور على القنابل التي يعتزم استخدامها في التفجير، كما بحثوا في سجل الطالب وملفاته، ولم يجدوا شيئا يعزز ظنونهم، فاعتقلوا الطالب، ثم أطلقوا سراحه بعد ذلك بكفالة، وسيمثل أمام المحكمة الأميركية في 18 من الشهر الحالي لتهديده بتفجير الحرم الجامعي.

هكذا أدخل الطالب نفسه في ورطة من حيث لا يدري، حينما ظن أن الكلام في أميركا ليس عليه «جمرك»، فزاد جرعة «البحبحة»، و«فشّة الخلق»، وكانت النتيجة توقيفا، ومحاكمة، وقد يصل الأمر إلى حد ترحيله من البلاد. فيا مبتعثي العرب إلى أميركا: «لسانكم حصانكم»، شدوا زمامه، واقتصدوا في القول، فالكلام عليه رسوم، وحساب، ومسؤولية.

اسر انجذاب الأمريكيات والأروبيات للرياض

كثيراً ما يدور النقاش عن سر الانجذاب لمدينة الرياض! بالرغم من أنها مدينة تفتقر إلى بعض.. وبعض من مجالات الترفيه التي تميز مثيلاتها من المدن حول العالم. كما أنها تعاني أحياناً أضعاف ما تعانيه المدن التي في حجمها ومساحتها من حيث أزمة السكن وصعوبة المواصلات.

ناهيك عن غلاظة أسلوب بعض من سكانها؛ وتكبيلهم أنفسهم ومن يقيم فيها معهم بتقاليد اجتماعية تضيق عليهم فرص الاستمتاع بوسائل الترفيه المحدودة المتاحة، فوسائل الترفيه فيها؛ تسوق … تسوق … ثم تسوق! وحتى هذه المتعة تشوبها الكثير من المنغصات مثل السماح بالتدخين في مراكزها التجارية! كثرة المضايقات والتدخلات في الحرية الشخصية!.. وإغلاق المحلات فترات طويلة أثناء النهار!

أما المطاعم لو خطر ببالك أن تدعو أصدقاءك أو تذهب مع عائلتك لتناول وجبة الطعام فيها، فستفاجأ بحشرك في صندوق ضيق، أصغر مخزن في بيتك أكبر منه، ثم يغلقون عليك الستائر، لتجد أن غرفة الطعام في بيتك أكبر وأشرح!

وإذا كنت من عشاق الطبيعة وتحب الصحراء، فهذا العشق سيكلفك غالياً، فيجب أن تمتلك سيارة من ذوات الدفع الرباعي، ومخيما بكامل تجهيزاته واستعداداته، ولن يسمح لك الطقس بتحقيق متعتك أكثر من 3 أشهر في السنة.

أما الحدائق العامة فهي لليمام والعصافير! فمزاج سكان الرياض غريب! فهم يفضلون التنزه وممارسة رياضة المشي على أرصفة شوارع معينة، يستنشقون الهواء المعبأ بغازات عوادم السيارات، بدلاً من الهواء النقي بين الأشجار! وحديقة الحيوان ليست للنزهة، هي فقط لصغار رياض الأطفال ضمن رحلاتهم المدرسية!

كنت أعتقد أن ما يجذبني للرياض، وسبب حبي لها وحنيني إليها أيام غربتي، هو أنها عاصمة وطني، وفيها أهلي وبيتي وذكريات طفولتي وصباي، لكن محبة صديقاتي الأمريكيات والأروبيات للرياض قد حيرتني!! فأجمل هدية تقدم لهم تأشيرة زيارة للمملكة! وأتساءل ماذا يجذبهم للرياض؟! فليس لهم فيها أهل ولا تربطهم بها حنين لذكريات!

هل هو يا ترى سحر الصحراء؟ الذي لم يجد الشعراء ولا الأدباء ولا المفكرون تفسيراً منطقياً له! أم أن موقع الرياض على الكرة الأرضية هو ضمن مجال مغناطيسي جاذب قوي.

ضيق الأفق

متى نصحو؟ متى نتجرد للحقيقة؟ متى نكون صرحاء مع أنفسنا والناس؟ متى نواجه مشكلاتنا بشجاعة؟ ما زلنا نضيق بالنقد ونعشق المدح ونطرب للثناء ونخفي جراحنا وندفن أخطاءنا ونرفض الاعتراف بمآسينا، مثقفونا يتراشقون بالتهم، الإداريون يلقون مسؤولية الكوارث على الطبيعة والأمطار والرياح والجبال والأودية وليس فيهم من يعترف بخطئه، بل يقذف بالكرة في مرمى الآخرين ويبحث عن ضحية يشنقه أمام الجمهور، العالم الآخر يناقش قضاياه تحت قبة البرلمان ورئيس أكبر دولة في العالم يقول لشعبه: آسف آسف.

ما نفعت فينا الشريعة ولا أي ثقافة، أزور المشايخ فإذا الكل معجب بنفسه ويمدح ذاته، أجلس مع التجار فإذا كلهم يرون أنهم هبة من الله للأمة، وأجلس مع القبائل فإذا كل قبيلة تغني بأشعار الشجاعة والتضحية ومقصودهم حروب السلب والنهب قبل توحيد السعودية على يد قائد الثورة عبد العزيز بن عبد الرحمن، الأدباء عندنا والكتّاب في أبراج عاجية، رضينا كلنا عن أنفسنا، الكل منا أخذ مقلبا في نفسه.. تدخل على الموظف تريد أن تجامله بعبارة وتجبر خاطره بكلمتين فيأخذ الحديث عنك ويلقي عليك محاضرة طويلة ثقيلة وبيلة عن إنجازاته الشفوية ومشروعاته الوهمية.. أغلب المشايخ يشكون لك من تنكر الناس لهم وعدم معرفة العامة بمنزلة أهل الفضل، ويقصدون أنفسهم، وبمكانة أهل العلم ويعني ذاته.. ليس فينا واحد يعلن مسؤوليته عن خطأ وقع أو خلل حدث، فالإعلام في العالم العربي مهمته الإنكار والتبرير والتغني بالمنجزات التي حسدنا عليها (المجلس الأوروبي)، وانذهل منها (الكونغرس) واندهش منها (الكرملن)، وعجب منها (النمور الآسيوية).. عندنا حساسية من النقد نرفضه ولا نقبله، ومن نقدنا فهو عدونا، ونهش للمديح ونسكر بالثناء ونخدر بالإطراء، فمن شكرنا وتغنى بأمجادنا فهو حبيبنا.. العامة يغردون بمجد القبيلة ويتغنون بأمجاد الأجداد بين الخيمة والناقة والثور والبئر، والكتّاب في الغالب يتحرشون برموز المجتمع من مسؤول أو عالم أو وزير أو مثقف، لأن مجدهم في إلقاء التهم وصلب المخالف على خشبة الموت.

أقول: هذا ليس من باب جلد الذات لكنها الحقيقة، فقد خالطتُ كل الشرائح في المجتمع وجالستهم وأنا واحد منهم، أصابني الداء نفسه الذي أصابهم، نحب تقبيل الرؤوس وبوس الخشوم وكلمة الإطراء، ونغضب إذا جُردت أسماؤنا بلا ألقاب، كان الصحابة يقولون للخليفة مباشرة بشفافية وصراحة: يا أبا بكر، يا عمر، يا عثمان، يا علي، وكذلك فعل العالم الآخر ينادون رموزهم بالأسماء المجردة، لكن عندنا لك الويل يوم تجرد أحدا من ألقابه العلمية والتراثية، نحن نستر الجرح ولا نعالجه، ونخفي الخلل ولا نصلحه، وندفن الخطأ ولا نواجهه، ما سمعت أحدا منا اعتذر يوما ما أو قال: أنا المسؤول عما حصل! ولهذا سوف تستمر أخطاؤنا؛ لأن أول الإصلاح الاعتراف بالخطأ، نحن نعيش على معزوفة الشاعر جرير بن عطية، حيث يقول لعبد الملك بن مروان:

  • ألستم خير من ركب المطايا – وأندى العالمين بطون راحِ
  • فنحن خير من ركب المطايا، وشرب المنايا وحفظ الحكايا وجلس في الزوايا، أما غيرنا فلا يغرك ولو صعدوا إلى سطح القمر أو وصلوا المريخ أو غزوا قاع البحار، أو عمّروا حياتهم الدنيا، فهم طروش بحر ليسوا مثلنا في الأصالة والبسالة؛ لأننا حافظنا على تراثنا القديم من الرحى والرشا وجفنة العود والفأس وقدح الخشب وحبال السلب، فما شاء الله تبارك الله علينا! الله يحمينا من العيون، الله يحصننا من الحسد، الله يدافع عنا من كيد العالم، سوف نستمر في الدعاء على الأميركان والأوروبيين واليابانيين والصينيين والكوريين؛ لأنهم يتربصون بنا الدوائر غيرة وحسدا.

قنواتهم بلغتنا

نلحظ في كل يوم بشكل واضح زيادة مطردة في القنوات العالمية التي تبث بلغتنا العربية ويصلنا بثها عبر الأقمار التي تغطي إشاراتها جميع الدول العربية ومن بينها عربسات ونايل سات. تتنوع هذه القنوات بين الإخبارية والعامة والوثائقية والفنية وغيرها. بعضها يبث على مدار الساعة، والآخر يبث لفترات لا تقل عن 12 ساعة.
في الماضي كنا نتحدث عن الـ BBC مبهورين بما تقدمه من برامج إذاعية وتلفزيونية، واليوم نتحدث عن قنوات أخرى تبث بالعربية وتضاهي الـ BBC إن لم تتفوق عليها فيما تقدم. نتحدث عن الحرة، وروسيا اليوم، والقناة الصينية، والألمانية، والتركية، وغيرها كثير.
هذه القنوات غالبيتها حكومية صرفة تلقى الدعم والتأييد من الحكومات والهيئات والمنظمات التابعة لها. هذه التبعية ترجح أن تكون الأهداف السياسية والدينية والاجتماعية هي الأوضح في بث هذه القنوات العالمية باللغة العربية وصرف مئات الملايين نفقات عليها.
أتذكر أيضا ومن خلال عملي في أخبار التلفزيون قبل أكثر من 15 عاما أن الخارجية البريطانية كانت تتكفل بإنتاج مجموعة أخبار يومية تتنوع بين السياسية والاقتصادية والعلمية، وكلها تروج لبريطانيا وتبرز قياداتها وعلمائها في حلة قشيبة جديرة بأن تتبع. هذه المجموعة من الأخبار والمعروفة باسم (الأخبار البريطانية عبر الأقمار) BSN كانت تسجل باللغة العربية بأصوات مذيعين مميزين في هيئة الإذاعة البريطانية، وترسل لمحطات التلفزيون العربية بالمجان. السفارة اليابانية بدورها كانت تحرص على تزويدنا بين فترة وأخرى بأشرطة إخبارية ووثقائية مسجلة باللغة العربية للاستفادة منها في نشرات الأخبار والبرامج. العاملون في محطات التلفزيون وغرف الأخبار يجدون في مثل هذه المواد الجاهزة ما يغريهم باستخدامها بغض النظر عن محتواها ما دامت تسد فراغا برامجيا أو إخباريا. بهذه الآلية، ووفق هذا التوجه يتحقق الهدف الذي سعى إليه من ورائه من خطط لهذا الغزو من رجالات السياسة والإعلام خارج وطننا العربي.
لماذا هذا الاستهداف الواضح للمشاهد العربي؟ وإلى ماذا يهدف المخططون من وراء هذا الغزو الفضائي المستمر؟ الاحتمالات والتوقعات تتأرجح بين الرغبة في تحقيق أهداف سياسية، أو فكرية، أو عقدية، أو اقتصادية. ظاهرة استهداف الإعلام الغربي لمجتمعاتنا العربية والإسلامية ومحاولة التأثير عليها بطريقة أو بأخرى ليست بالأمر الجديد. والغرب يحاول دائما، وحتى قبل الـ11 من سبتمبر، إظهار رجالاته وأفكاره ومعتقداته على أنها النموذج المثالي الأحق بأن يتبع ويسار على نهجه.
رجالات الإعلام، والمفكرون، وملاك القنوات لدينا ماذا قدموا في المقابل؟ هل فكرنا في غزو مقابل؟ هل فكرنا في إيصال بثنا الفضائي إلى الآخرين وبلغتهم وإبراز ما لدينا من نماذج إسلامية أحرى بأن تتبع؟ نحن نعلم أيضا بأن هناك محطات تلفزيونية وإذاعية في أقطار إسلامية شتى تتلهف لبث ما يصلها من نتاج إعلامي من الآخرين بدون مقابل، فهل فكرنا في أن نزودهم بما يريدون.
مثل هذه الأهداف الإعلامية والفكرية لإيصال الصوت العربي إلى أقطار شتى وبعدة لغات تحتاج إلى تخطيط سليم، وتسخير للمواد والكوادر، وقد حان الوقت لاتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه.

ليتني من عرب شمّر

أنا شخصيا إذا ضاق صدري وأردت أن أرفه عنه استعدت فقرة من مسلسل كويتي بطله الممثل «الصلال» ذلك المسلسل كان يعرض على القناة السعودية الناطقة بالإنجليزية، ويبدو أن القائمين على تلك القناة أرادوا أن يجذبوا المشاهدين غير الناطقين بالعربية فـ«دبلجوا» كل حلقات ذلك المسلسل باللغة الإنجليزية باللهجة الأميركية، وإذا أراد أحد منكم أن يضحك من أعماق قلبه فعليه أن يشاهد بعضا من تلك الحلقات.

لكن تخيلوا – مجرد خيال – لو أن مجموعة من رجال الخليج ركبوا أحد التاكسيات من فندق هيلتون بلندن، وبينما هم يتحدثون إذا بالسائق الإنجليزي (الأحمر الأعطر وجه العنز) يقطع عليهم حديثهم ويلقي عليهم أبياتا من شعر الغزل النبطي (لابن لعبون)، فكيف سيكون رد فعلهم؟!

أو أن بنات خليجيات ركبن أحد التاكسيات في بريدة، والسائق رجل مفتول الشنبات وله عدة أيام لم يلامس موس الحلاقة وجهه، وكان منكسا عقاله وناسفا شماغه، وإذا بتليفونه المحمول يرن، فيجيب عليه و«يترغل» باللغة الفرنسية التي يجيدها كأحد أبناء باريس، فكيف سيكون رد فعلهن؟!

أو أن المطرب النحيف صاحب الصوت الخافت «رابح صقر» مثلا، وقف على المسرح أمام الجمهور، وما إن فتح فمه ليغني إذا بالجمهور يخرق طبلات آذانهم صوت المغني الأوبرالي «بافاروتي»، فكيف سيكون رد فعلهم؟!

أو أن أحد مصارعي «السومو» البدناء في اليابان وقف في حلبة المصارعة أمام المشاهدين ولا تكاد تغطي سوأته غير «خرقة» صغيرة كحفاضة الأطفال وأخذ يتحدى خصمه مغنيا: «شويّخ من أرض مكناس»، فكيف تكون ردود فعل المشاهدين؟!

أو أن أحد مراقص «الديسكو» المكتظة بالشباب في السويد، يفاجئهم مخرج الـ«دي جي» الذي يختار الأغاني ويضع لهم شريطا مسجلا للأغنية العراقية «يا ليتني من عرب شمّر»، بدلا من «مايكل جاكسون»، فكيف تكون ردود فعل الصبايا السويديات تحديدا؟!

أو أن عرسا في إحدى قاعات الأفراح الصاخبة في القاهرة، ويتقدم العريس والعروس بكل حماسة وأبهة، وأمامهما الراقصة اللولبية لتزفهما، بدلا من أن ترقص على «دقوا المزاهر»، أو «اتمخطري يا حلوة يا زينة»، إذا بها ترقص على أغنية STRANGERS IN THE NIGHT (غرباء في الليل)، فكيف يكون رد فعلهم يا ترى؟!

هذه بعض نماذج من المفارقات، وغيرها وغيرها لا تعد ولا تحصى، ولولا الحيز القصير لهذه الزاوية لزدناها، وهي مجرد فكرة أهديها لمن كان له فكر شبه منحرف كفكري.

ما الفرق بين فيروز وفهد بن سعيد

قرأت مقدمة الشعر العربي التي كتبها الشاعر أدونيس قبل أكثر من ثلاثين سنة. بقي صدى تلك المقدمة في ذهني حتى هذه اللحظة. شكلت مع مجموعة من القراءات الأخرى منظارا واسعا أطلع من خلاله على الشعر وأنصت للفن. كنت حينها طالبا في الجامعة. عرين المحددات والأوامر والالتزام بالمعايير المعدة سلفا. كانت الكتب التي بين أيدينا ضخمة تفوح منها رائحة الأيادي الكثيرة التي تعهدتها بالتكريس عبر القرون. كانت مقدمة أدونيس ثورة على هذه الكتب. لم تكن ثورة تُمرِدُك على الآخرين ولكنها تؤدي أيضا إلى الثورة على ذاتها. بفكر أدونيس هجمت على أدونيس من حيث لا يحتسب. ما الفرق بين فيروز وفهد بن سعيد؟ فجعت في البداية من طيش دماغي. كأني أقارن بين التفاحة والكُرنبة. لا يجمعهما إلا البعد الشجري. استأذنت أحكامي المسبقة وقررت أن أمضي قدما في المقارنة. أزلت عن الاثنين القشور التي تغلفهما. وضعت أغنية (حبيتك بالصيف) أمام أغنية (خلاص من حبكم يا زين). حاولت أن أعطي فيروز بونص درجات على الآلات الموسيقية والتوزيع ولكن في النهاية عجزت إلا أن أجد (خلاص من حبكم) أجمل وأنقى وأروع من أغنية فيروز (حبيتك في الصيف). يا إن مخي أقرب إلى الكُرنبة أو أن هناك شيئا لاعلاقة له بالفن في داخلي. بدأت أزيل القشور والأغلفة. كيف دخلت فيروز إلى ذاكرتي وكيف دخل ابن سعيد. ما الذي يحيط بفيروز وما الذي يحيط بابن سعيد؟ اكتشفت كماً هائلًا من الكلمات والأغلفة والتعليبات . الكلمات التي يلبسها ابن سعيد أينما ذهب: عربجي, قضوم, خرش, حراج, الجفر. بينما فيروز تحيط بها كلمات: جمال ، بهاء ، رقة. مهما كنتَ محايدا أو متعصبا سوف تقع في فخ التغليف والتعليب التي تقدم بها الأشياء. في كل مرة أسمع ابن سعيد أتخيله على دبّاب. يد فيها كبك والأخرى تتدلى منها قطعة القماش .كوعه أسود وساقه أشهب وعرقوبه متشقق. أما إذا تناولت فيروز فستسفع وجهي نعومة الحرير والعطور والنسيم الهابط من الجبال الخضراء على رطوبة البحر الناعمة. شلالات وغابات الأرز والجبال التي تكسوها الثلوج. إلى ما له نهاية له من الجمال اللفظي تاركين لابن سعيد أقبح التصورات.

بدأ محمد رشدي (فنان مصري) قديم يكتسب جماهيرية كبيرة بصوته الجميل. خاف عبدالحليم حافظ منه فمدحه بطريقة خبيثة. قال إن رشدي أعظم فنان شعبي. كلمة شعبي ليست تعريفا وإنما تصنيف. كلمة شعب في ذهن الناس في هذا السياق تعني العوام. عندما يقال إن فلانا فنان شعبي فهذا يعني أنه فنان الجهلة والبسطاء وأصحاب الذائقة الفجة. لم نسمع أن أحدا علق صفة شعبي على رقبة فيروز أو طلال مداح رغم أن معظم أعمال فيروز وطلال مداح من الفن الشعبي.

إذا قارنا على المستوى الشخصي سنجد أن ابن سعيد يفك الحرف في الوقت الذي لا تجيد فيه فيروز القراءة أو الكتابة.

لست مفتية وكشف الوجه ليس بحرام

أرسل لي اخ فاضل يلومني على أنني قلت إن كشف المرأة لوجهها ليس بحرام ولا عار, والحق يقال إن الأخ كان في قمة الأدب والاحترام فيما أرسل ونصحني أن أحذر من الفتوى, وأنا أشكر له غيرته الدينية وأخوته وخوفه عليّ وهذا هو الواجب علينا جميعاً أن ينصح بعضنا بعضاً باحترام ومودة وتقدير, حتى وإن اختلفنا فيعاون بعضنا بعضاً فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه كما قال شيخ السلفيين محمد رشيد رضا. إلا أنني عتبت على الأخ على بعض عبارات مثل (خدعوك) و(غشوك) و(طرتِ بالعجة)، ومثل هذه العبارات التي أظنها خرجت بسبب الحمية الدينية وغيرة الأخ على أخته. وأنا هنا أؤكد أن أحداً لم يغشني ولست من السذاجة بحيث أستدرج من قِبل أي أحد, وأنني لا أنتمي لأي تيار, وإنما أقول قناعاتي الخارجة من التزامي بديني.

مشكلة الرجال في طول وعرض العالم الإسلامي كله أنه لا يمكنهم أن يتصوروا امرأة عاقلة تنطلق من قناعاتها وتناقش بفهم, فلا بد أن هناك من خدع هذه واستخف بعقل تلك.

بالنسبة لقضية تنصيب نفسي (مفتية) فهذا لم يحدث إطلاقاً في كل حياتي, وكنت أتمنى من الأخ أن يعرف الفرق بين (المفتي) وهو من ينصب نفسه مرجعية دينية بحيث يفتي من دون أن يطالبه المستفتون بالدليل, وبين من هم مثلي يقرؤون ويقارنون, فعندما أقول إن كشف الوجه ليس بحرام فهذا سببه أنني قرأت كثيراً منذ زمن بعيد ولا زلت أقرأ فوجدت أن أكثر علماء الإسلام يقولون إن كشف الوجه ليس بحرام, ونحن مرجعيتنا السنية هي لأربعة فقهاء أبو حنيفة ومالك والشافعي والإمام أحمد بن حنبل, فعندما أجد أن الثلاثة يقولون كشف الوجه جائز وأجد أن الإمام أحمد بن حنبل عنه رواية ثابتة صحيحة لا شك فيها يقول كشف المرأة لوجهها جائز فهذا معناه أن هناك إجماعاً على الجواز, صحيح أن هناك رأياً آخر للإمام أحمد بن حنبل في رواية ثانية عنه قال فيها تغطي وجهها, لكن رأيه مع الجماعة أفضل من رأيه وحده, كما قرأت في كتاب (المحلى) لإمام السنة الخامس ابن حزم يقول: تكشف وجهها ولا يسعها إلا ذلك لضرورة البيع والشراء والتعامل, أضف إلى كل ما سبق أن عندي كتاب (حجاب المرأة المسلمة) للشيخ محمد ناصر الدين الألباني شيخ الأثريين والمحدثين, ذلك الرجل الذي قضى خمسين سنة في تصحيح الأحاديث وتضعيفها وهو يورد في كتابه أحاديث كثيرة عن أسماء بنت أبي بكر وعائشة أن المرأة إذا بلغت المحيض لم يجز لها أن تكشف إلا هذا وهذا وأشار للوجه والكفين, بعد كل هذه الأدلة الدامغة والحجج اليقينية كيف يمكن أن أقتنع أنني مخدوعة أو أنني ضللت عن الصواب؟ كما قلت أنا أعتز بأخوة الأخ أبي عبد العزيز وكل من يريد أن يناقش بعلم واحترام, لكن لا بد أن نستحضر جميعاً أن الحق هو مطلبنا ومقصدنا وليس تخطئة الآخر ولا تسفيه عقله, وأتمنى أن نظل رغم اختلافنا إخوة متحابين, يحترم بعضنا بعضاً.

فتنة العباءة الزرقاء

في مكان مزدحم في جدة شاهدت سيدة في منتصف العمر ترتدي عباءة رمادية اللون، كانت العباءة فضاضة ولكنها فاتحة اللون وتختلف عن جميع العباءات السوداء، شعرت بأن هذه العباءة هي بداية (الشرر المستطير)، حيث يمكن أن نشاهد في قادم الأيام عباءة زرقاء وأخرى صفراء وثالثة فستقية اللون، وحينها سنحتاج لفتاوى بعدد الألوان الموجوة في هذا العالم كي نحدد موقفنا من كل عباءة على حدة!.
في السيارة، داهمتني أفكار غريبة حيث تخيلت صدور فتوى تحرم هذه العباءات الملونة؛ لأنها تلفت الأنظار، ثم صدور فتوى مضادة تؤكد أن الشرط الشرعي لملابس المرأة المسلمة هو أن تكون فضفاضة ولا تبين تفاصيل الجسد وأن اللون غير مهم من الناحية الشرعية، وبين هذه الفتوى وتلك تنشر مليون مقالة في الصحافة تستغرب أو تستنكر أو تسخر أو تحلل الموقف من العباءات الملونة!.
وبالطبع، سوف يتفرغ خفافيش الإنترنت للتحذير من الخطر الذي يتربص بالأمة، فتلوين العباءات هو بداية للمشروع التغريبي الذي يراد منه إفساد المرأة المسلمة، ثم يستضيف الزميل تركي الدخيل في برنامج إضاءات باحثة تحمل قطعتي قماش إحداهما سوداء وأخرى بيضاء، حيث تؤكد خلال الحوار أن اللون الأسود يمتص أشعة الشمس أكثر من كل الألوان الأخرى ما يعني أنه لا يتناسب مع البلدان الحارة!.
وفي خضم هذا الجدل، تؤكد هيئة الأمر بالمعروف أنه ليس لديها موقف محدد من ألوان العباءات، ولكنها لن تتساهل على الأطلاق مع مسألة توظيف الألوان في مناسبات مشبوهة، مثل لبس العباءات الحمراء في يوم فلانتاين، بينما يقترح شيخ (وسطي) السماح للنساء بارتداء العباءات ذات الألوان المقاربة للون الأسود، مثل العباءات الزرقاء، فيصدر نادي النصر بيانا يتهم فيه هذا الشيخ بأنه معروف بميوله الهلالية ومعاداته للون الأصفر منذ زمن بعيد!.
وتدور المطابع لتنتج كتيبا من عشر صفحات عنوانه: (أختى المسلمة ــ سوادك عفتك)، بينما تقدم إحدى مصممات الأزياء السعوديات عرضا في باريس لعباءات بألوان جلد النمر وأخرى مخططة بالأبيض والأسود مثل الحمار الوحشي، وتسمي معرضها هذا: (من وحي الغابة)!.
أعرف أنكم ستقولون إنني (فاضي).. ولكنني أستحلفكم بالله هل أنا (الفاضي) حقا؟!