مسؤولية طيحني

إما أن المجتمع انقسم إلى قسمين ، أو أن المجتمع فارق الماضي الذي نعرفه. قبل يومين أوصلت أحد أبنائي إلى أحد المطاعم السريعة. دخل المطعم. انتظرته في السيارة. أقدر عدد الأولاد المنتثرين حول المطعم بحوالي ثلاثمائة شاب. تتراوح أعمارهم بين اثنين وعشرين وثلاث عشرة سنة. الملفت للنظر ملابسهم. على مدى ساعة لم أشاهد أيا منهم لابسا ثوبا. اختفى الثوب تماما. قبل عدة أيام كنت أزور وزارة التعليم العالي. لاحظت عددا من الشباب يراجع بثوب ولكن بدون غترة. حسب رؤيتي, دون أن أعمم, يمكن القول إن الثوب ينذر بالرحيل. لا أحد يحس بذلك. يقول الكاتب التشيكي ميلان كونديرا: لا يوجد ما هو أكثر هدوءاً من تسلل النهاية. عندما تأتي النهاية لا أحد يحس بها. موضة (طيحني) تتحمل المسؤولية. قبل أن اشرح وجهة نظري, هل هناك خطب جلل يحدث؟ كلمة أحمّل المسؤولية تشي أن هناك جرما يرتكب. هل التخلي عن الثوب ولبس البنطلون جريمة؟ أفترض خرجنا اليوم وشاهدنا كل الناس تلبس البنطلون ، ما الذي سوف يحدث لك ولي وللمجتمع وللاقتصاد وللطرق وللهواء وللمكيف؟ ما الذي سيحل بالعالم؟ قضية عويصة لا يمكن تخيلها. فكر فيها وحدك. سأعود إلى موضة طيحني وأحمّلها مسؤولية اختفاء الثوب.

يقول المثل الشعبي: طقه بالموت يرضى بالسخونة. هذا ما فعله الشباب بالمجتمع. صارت قضيتنا طريقة لبس البنطلون وليس البنطلون في ذاته. راجع المقالات وتذكَّر الأحاديث التي سمعتها حول ملابس الشباب الجديدة. تتعامل مع البنطلون كأنه شيء بدهي لكنك تتألم من التهكع في لبسه.

كيف دخل البنطلون دون أن نحس به؟ بوابة الرياضة. الهلال النصر ريال مدريد برشلونة. لا يمكن أن تلبس فنيلة ريال مدريد على ثوب أو سروال السنة. قلنا وعجزنا ونحن نردد أن الحضارة لا تتجزأ. يدخل الجمل بما حمل. المسألة تراكب. هذا يركب على هذا. لا يمكن أن يشتغل الجهاز إذا أزلت منه قطعة أساسية. على كل حال هذي ليست قضيتي. الثوب بلاستيك مصنوع في اليابان. لا داعي لأنْ تذرف الدموع لاختفائه.

الأجنبي

عام 1946 صدر في بريطانيا كتاب لاقى رواجا ، فرغم كونه كتاب سخرية و دعابة وفكاهة ، إلا أن رواجه كان مُذهلا
واسم المطبوع How to be an Alien ( كيف تكون أجنبيّاً ) بقلم جورج مايكس . ولا تزال تتكرر طبعاته .
رغم التحاق الإنجليز بأوروبا وأمريكا الآن .

وموضوع الكتاب عبارة عن سخرية من المجتمع الإنجليزى . ومما قيل إن الإنجليز – وهم في رحلة سياحية – في فرنسا يسمون الفرنسيين ” أجانب ” . والكلمة الأخيرة التي أوردتها أيضا تعني : غريباً أو مُغايراً . وأطلقت المفردة أيضا في الأدبيات الحديثة وقصص الخيال العلمي على القادمين من الفضاء الخارجي . والكاتب مَجَري المنشأ ، وواحد من المهاجرين القدامى الذين حصلوا على الجنسية الإنجليزية .

وسَمّى الأجنبي ( إيليان ) ربما من عمق ما يحس . لأن الإنجليز يسمون الأجنبي ( فورينر ) Foreigner . ووزارة الخارجية تحمل اسم ( فورين أوفيس ) . بينما يسمون مكتب تسجيل الأجانب ( إيه. آر . أو .) وهي اختصار ( إيليان ريجستريشن أوفيس . . Alien Registration Office

وفي ملاحظتي الشخصية أن العالم لا يزال يتجادل في الكلمة ، ومن هو الأجنبي .
قال الشاعر محمد العوني ( ت 1324 ) رحمه الله مستنهضا همة المهاجرين في الشام من أهل بريدة : –

قل داركم من عقبكم تندب الثرا ** تبكي على الماضين واعزتالها

لعبوا بها الأجناب لا رحم حيكم ** والبيض بالبلدان شتت لحالها

نُلاحظ الكلمة الثالثة من البيت الثاني ( الأجناب ) وقصَدَ بها الشاعر كل من هو من غير أهل المدينة ،
أو من هو غير معروف عند أهلها ، حتى لو كان قادماً من مدن أخرى داخل المنطقة .

وقصيدة شعبية قالها سعودي من عمال أرامكو السعوديين الذين كانوا يتذمرون من رفعة شأن ومكانة ” الأجنبي ” التي منها : –

الأجنبي بالوطن شغّال وِلاّ السعودي ” فري تشيبِ ( ى )

ويقصد بالعبارة الأخيرة (very cheap) . أي رخيص الثمن جدّا . وهذا الشاعر خالفَ العوني بالتعريف ، فالأخير قصد كل من هو غير سعودي .

وذهب سعودي إلى إدارة السجل التجاري بوزارة التجارة طالباً سجلاً تجارياً مشتركاً بينه وبين مسلم آسيوي .
قالوا له في الوزارة إن عليه مراجعة إدارة ” الاستثمار الأجنبي ” .
غضب السعودي وتوعّد الموظف كيف يجرؤ أن يُطلق على مسلم صفة الأجنبي
والْتهبَ الموضوع داخل المكتب.! واحتاجوا لإنهاء الموضوع إلى أيادي أطراف أُخرى .

ثمة حيرة تعريف لغوية بين الأجنبي والغريب والدخيل والخارجي

كان أهل القرى عندنا قديما يسمون كل من لا يعرفونه ” أنكري ” أي غير مألوف .

انا واصلة

ما أكثر هؤلاء الذين يمشون ويتصرفون وكأنهم يملكون المكان أي مكان بكل ما فيه ومن فيه، تجدهم مثلا يمشون وكل جزء منهم يقول “يا أرض انهدي ما عليك قدي”، تجدهم أحرص الناس على وضعية الساعة المتلألئة والنظارة التي كتب اسم “ماركتها” في مكان بارز، وتجدهم أيضا يحرصون على إدخال مفردات خاصة بهم فمثلا حين يتحدثون عن السفر يبدؤون الحكاية قائلين حين كنا نشتري التذاكر للدرجة الأولى، رغم أن هذه التفصيلة لاتهمك ولا تهم أي سامع أو حتى أي “ملقوف”. وحين يتحدثون عن السيارة التي أقلتهم من المطار في ذلك البلد الغريب تجدهم يبدؤون بنوعيتها ولونها، وكما قلت لكم تفاصيل لا تهمكم، لكنها تفاصيل استعراضية تساهم في تضخيم الأنا الملتهبة لديهم والتي قد تنفجر في وجههم مالم يتم علاجها سريعاً! وبعيداً عن المظاهر والشكليات التي نعرفها ونقرأ تفاصيل المتباهين بها ونختار أن نتجاهلهم تمتد هذه التصرفات إلى حتى أكثر الأشياء عملية وجدية.

فإحداهن مثلا تقول بصوت عال لزميلاتها في العمل” تراي واصلة بس متواضعة”ولا أدري لماذا يناقض الوصول التواضع؟ ولماذا صاحبتنا تعتقد أنهما لا يجتمعان؟ وبيني وبينكم بودي أن يفسر لي مفهوم “الوصل/ الوصول/ الواصلين” فأنا أعرف “واصل البريدي الذي لم أحصل على خدمته حتى الآن رغم أننا دفعنا واتصلنا بخدمات العملاء وأعرف “الواصل” تلك الشخصية التلفزيونية التي نثرت الابتسامة على وجوهنا. لكن يبدو أن “الوصول ومشتقاته” مفهوم متأصل في المجتمع يشبه الخصوصية! و يبدو أنه مفهوم مهم يكفل لصاحبه حق التفوق والتميز عن الآخرين فتجد “الواصل” يتحدث عن فلان المدير وعلان قريب رئيس مجلس الإدارة وكأنهم أصدقاؤه الحميميون ليوهم من أمامه بأنه يملك من الصلات الاجتماعية ما تضمن بقاءه وتفوقه، كما أنه أكثر الناس حرصا على إيهام الآخرين بأنه يعرف ما لا يعرفون ويملك من المعلومات الاجتماعية التي تفسر له العلاقات المتشابكة في العمل مثلا وهذا أيضا يعطيه شيئاً من التميز ويجعله يستخدم التهديد أحيانا والتهويش أحيانا.

أحدهم كان يتباهى بلقائه شخصية مهمة في تلك المؤسسة التي يعمل فيها أمام مجموعة من الزملاء ليلتفت نحوه أحدهم متسائلا: متأكد أنك قابلته وذكر لك هذا الكلام! ليحلف صاحبنا ويؤكد أن اللقاء حدث صباح اليوم في قاعة الاجتماعات، ليرد السائل: لكن كيف قابلته وهو مسافر! ليكتشف صاحبنا الواصل المتباهي بمعرفته لتلك الشخصية المؤثرة في مكان العمل، أن هذا الشخص المهم هو خال السائل، فبالتالي فإن السائل أدرى بتحركات خاله… وهكذا انكشفت لعبته!

جمعيه حليب ديود الحريم لتحويل الأجانب الى أقارب

مع إصرار سماحة الداعية السعودي «عبدالمحسن العبيكان» على فتواه الخاصة بـ«إرضاع الكبير»، يتعين علينا – جميعاً – أن نساعده ونبحث في «آلية وطرق ووسائل» تطبيق ما قاله على أفضل صورة تحقيقاً للقول الكويتي الشهير.. «إذا حجى الشرع.. الكل يرضع ديود»!! الشرط الأساسي الذي طرحه «العبيكان» لتحقيق فتواه يكمن في عدم.. «رضاعة الرجل مباشرة من ثدي المرأة، بل تعصر صدرها وتصب حليبها في وعاء – ومن وراء حجاب – ثم ترسله الى الرجل المراد تحويله من غريب لا يجوز أن – تنكشف – عليه، الى قريب محرم عليها»!! لكن الشيخ «العبيكان» – هداه الله – نسي شيئاً هاماً وهو أن يكتب نصوص فتواه حين طالب بأن تكون.. «خمس رضعات مشبعات كما الطفل الرضيع»، ونسي أن القياس هنا غير جائز على اعتبار أن مجموع ما يشبع هذا الصغير قد لا يتجاوز الثلاثة – أو أربعة لترات – بينما شخص مثلي – في طولي وحجمي ووزني – قد استهلك ما يعادل حمولة «تب» صغير مثل تلك «التبوب» التي يحملها غسالو السيارات الأحوازية خصوصاً إن كانت المرضعة.. «جومانه مراد» أو.. «مريام فارس» أو.. «دارين حدشيتي»! هناك أسلوب فني وعملي آخر وهو استخدام خرطوم مطاطي طبي طوله خمسة – أو ستة أمتار – تضعه السيدة في حلمة ثديها، والطرف الآخر يدسه السائق البنغالي القادم حديثاً للعمل مع تلك الأسرة في فمه.. وبينهما ستار.. فيستلقي «الغريب» على ظهره ويضع ساقاً على ساق وتكون «المعزبة» في وضع الوقوف تسهيلاً لانسياب الحليب – بفعل الشفط والجاذبية – فيشفط البنغالي شفطة بعد أخرى حتى تصرخ عليه أم العيال.. «ها.. بابو؟ ما شبعت؟» فيرد عليها قائلاً – وبسعادة بالغة – «لا.. ماما، هذا حليب وايد حلو، هذا أحسن من حليب مال.. ستاربكس».. ليستمر الشفط حتى تتحول «ديود – المعزبة» الى.. كيس جمعية بلاستيكي لفحته شمس تموز و.. آب.. «تكرمش».. وانكمش!! يمكن للحكومة أن تريح الناس وتقوم بإنشاء شركة مساهمة كويتية لـ«حليب ديود الحريم» تجمع فيه هذه المادة الاستراتيجية الخاصة بتحويل الأجانب الى أقارب من متطوعات مواطنات، وعند وصول الخدم الى المنافذ الحدودية – البرية والجوية والبحرية – يقدم لهم ما مقداره «خمس رضعات مشبعات»، فتصبح كل نسوان البلد.. أمهاتهم!! هناك ملاحظة هامة – وبعيداً عن المزاح و«القشمرة» – غابت عن ذهن الشيخ «العبيكان» وهو يصدر فتواه هذه وأتمنى لو يجيب عليها للأهمية المطلقة وهي.. «ماذا لو أرادت امرأة من النوع الذي وصفهن الباري عز وجل في كتابه العزيز.. {لا يرجون نكاحا}.. أن تستقدم خادماً أو سائقاً وصدرها قد جف منذ عهد حرب «البسوس»، فماذا تفعل؟! هل يجوز لها أن تستعين بـ«حليب ديود.. بناتها أو صغيراتها أو حتى جاراتها؟» وما تأثير ذلك على شرعية تحويل «الغريب» إلى.. «قريب»؟!
٭٭٭
.. حوالي %90 من سيدات الوطن العربي – وربما العالم – لم يعدن يستخدمن الرضاعة الطبيعية بعد الولادة، ويلجأن الى الحليب الاصطناعي حفاظا على شكل وحجم وجمال صدورهن، فهل يجوز «إرضاع الكبير بـ.. كرتون حليب كارنيشن أو حليب المراعي أو.. كي – دي – دي»؟! وماذا عن الاستعانة بـ..«حليب صدور.. الجنوس»؟! ومنا الى سماحة الشيخ «العبيكان» مع خالص الشكر والتقدير!

رجل لايشتهى النساء

إن أحد مفهوم الإربة في قوله تعالى (غير أولي الإربة من الرجال) وأقربها للمعقولية الشيخ الكبير الذي لم يعد له حاجة في النساء ) هو هذا المنطق الذي يرتكز عليه فهْم وتفسير النص القرآني، لكن عملا بمبدأ اللامنطق لخدمة مصالح بعض القائمين على شرح ونقل وتفسير الشريعة عبر تراكمات التراث الديني تم تأويل النصوص لا تفسيرها كي تتوافق مع الثقافة الذكورية وتحافظ على قداستها المزعومة!

تابعوا الأقوال الواردة في تفسير قوله تعالى: ( أو التابعين غير أولي الإربة) أخرج جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ( أو التابعين غير أولي الإربة) قال: هذا الرجل يتبع القوم وهو مغفل في عقله، لايكترث للنساء، ولا يشتهي النساء.

وقيل: هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء، وقيل الأبله، وقيل في تعريف الأبله: الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم؛ وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن! وقيل المخنث، وقيل الشيخ الكبير، والصبي الذي لم يدرك، وقيل العنّين، وقيل الخصيّ! كل التفسيرات لم تأت على ذكر الكبر والتقدم في السن كتوصيف لغير أولي الإربة إلا مرّة واحدة في سياق تبجيلي: ( الشيخ الكبير) ولم يرد إلا في سياق واحد فقط باعتباره ليس هو التفسير الأقرب إلى الصحة، لكن الأقرب إلى الصحة أو شبه المؤكد هو ( الأبله أو الأحمق) وكأن شهوة الرجل ورغبته الجنسية محصنة ضد التقدم في العمر والأمراض المزمنة التي يصاب بها الرجال نتيجة السمنة والترهل وأمراض الذكورة ، طالما أن هناك مساندة طبية عصرية وعشبية متوارثة تصلح ما أفسده الدهر كما يتوهّمون!

أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ( أو التابعين غير أولي الإربة) كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه، ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن طاوس: (غير أولى الإربة) قال: هو الأحمق الذي ليس له في النساء أرب ولا حاجة.

هذا التنويع على نغمة « أولي الإربة» كي يضيع المعنى ويبهت ثم يندثر من الوعي الجمعي، بينما يعمل الخطاب الديني والاجتماعي على ترسيخ معنى « القواعد» من خلال عزف منفرد على نغمة « المرأة الكبيرة» ويمكن إضافة بعض الأوصاف للتنفير من المرأة كـ( المستقذرة ) أو ترسيخ مرحلة عمرية كالخمسين مثلا على رأي الشيخ النجيمي مع أن الواقع يشي بغير ذلك، بالنسبة للنساء

والرجال فلا توجد مرحلة عمرية يمكن اتخاذها قاعدة تنتهي عندها الغريزة والرغبة في الآخر، إلا إذا بلغ المرء ـ رجلا أو امرأة ـ من الكبر عتيا، عندما تزول شهوات الدنيا ويصبح التفكير في حسن الخاتمة هي الشهوة والأمل والمبتغى!

هذه المعاني المتنوعة في محاولة للبعد عن المعنى الطبيعي والتفسير الصحيح لـ (أولي الإربة)، تكشف عن إشكالية التطبيق والتعامل مع جملة الأوصاف، مثلا: كيف نميّز الأحمق وكثير ممن يوصفون بالرجال حتى ممن يبدو عليهم الوقار ينزع سلوكهم في كثير من المواقف إلى الحمق والبله، يتجلى في العديد من المظاهر الحياتية المعاصرة، فمنهم من يغطي الشمس بغربال ليطمس الحقائق رغم ثبوتها بالصوت والصورة، هل هو أحمق أم أبله وهل يصبح من غير أولي الإربة، ويجوز له الدخول على النساء والجلوس معهن والحديث إليهن، وممازحتهن؟!

كثيرات تخطّين الخمسين وهن في قمة جمالهن وتألقهن ومازلن مصدر جذب كنجمات السينما، وسيدات المجتمع اللاتي يمتلكن وعيا صحيا وغذائيا ورياضيا يحفظن به رونقهن وجمالهن، بينما يفشل كثيرون في الحفاظ على حيويتهم في عمر مبكّر، ربما ساهمت هذه الثقافة الذكورية التي جعلت من الرجل سوبرمان من المهد إلى اللحد في ارتكان الكثيرين إليها وعدم الاهتمام بالصحة والرياضة فتتدلى الكروش وتقتحم الأجساد الأمراض المزمنة وأمراض الذكورة ويصبحون غير ( أولي إربة ) لكنهم يكابرون ويبحثون عن حلول إدعائية تضاعف المشكلة لا تسعى لحلها!

وربما لهذا علاقة في رغبة بعض من بلغ هذه المرحلة ( غير أولي الإربة ) الاقتران بالصغيرات، طالما لا يوجد حدّ عمريّ يؤثر في رغبتهم وشهوتهم، والضحية دائما امرأة تقدم صغيرة قربانًا للكهولة، وتُطعن كبيرة في أنوثتها وحيويتها لتأكيد حاجة الزوج المتصابي في شابة صغيرة تستوعب شبابه وفحولته!

نعود لتفسير الشيخ د/ محمد النجيمي للقواعد من النساء، فهي: ( من تخطّت الخمسين من العمر وانقطعت عنها الدورة الشهرية) إذن يجوز للقواعد من النساء – حسب توصيف النجيمي- الاختلاط بالرجال في الأماكن العامة والمنتديات والملتقيات العلمية والثقافية والاجتماعية، دون حرج، أو قلق أو خوف!

ويمكن لمن ينطبق عليها هذا التوصيف أن تضع عنها خمارها وغطاءها وتختلط بالرجال، سواء كانوا أولي الإربة، أو من غير أولي الإربة!

أما المعنى الوارد في أيسر التفاسير ج3/ ص565، فالتابعون غير أولي الإربة، هم التابعون لأهل البيت ، يطعمونهم ويسكنونهم ممن لا حاجة لهم إلى النساء، وهو تفسير ينهي جدل إرضاع الكبير!!

اختطاف أمراء سعوديين

حطابا فقيرا كان يسير في الغابة فوجد اناسا يعبدون شجرة!! انتفض الرجل لعقيدته ودينه فهجم عليها وامعن فيها تكسيرا بفأسه حتى هشمها.. تماما!! ما ان انتهى حتى ظهر له «إبليس اللعين» وتصارع معه، لكن «الحطاب المؤمن» انتصر عليه وبطحه.. ارضا! تكررت الحكاية في اليوم التالي، تكسير شجرة اخرى كان يعبدها الناس وظهور «إبليس اللعين» ثم المصارعة وانتصار الرجل و.. مرت الايام والاسابيع والسيناريو لا يتغير!! شعر «إبليس اللعين» باليأس، فقرر استخدام عقله مع «الحطاب»، وعرض عليه ان يعطيه «دينارا من الذهب» كل يوم يجده تحت مخدته عقب استيقاظه من النوم.. ان ترك «الناس يعبدون الشجرة»!! وافق «الحطاب» وعاد الى.. منزله! في صباح اليوم التالي، مد يده تحت الوسادة فوجد الدينار الذهبي، فـ«استأنس» وذهب للنزهة في «المارينا مول» واشترى «لاب- توب» وشرب القهوة في «ستار – بكس» واشترى بنطالا.. «لوويست» وعاد مساءً إلى.. بيته!! في صباح اليوم الثاني، وجد دينارا ذهبيا آخر، و.. مرت الايام والاسابيع وهو يجد دينارا كل يوم حتى استيقظ ذات صباح فلم يجد شيئا، فغضب كثيرا واخذ فأسه وتوجه الى الشجرة التي يعبدها الناس قاصدا قطعها، فتصدى له «إبليس اللعين» وتصارعا و«تباطحا» لكن «إبليس» هو الذي انتصر واسقط «الحطاب» ارضا، فاستغرب هذا الاخير مما حدث، لكن «إبليس» اوضح له السبب – وهو يضحك – قائلا.. «لقد كنت تكسر شجرتي وتسقطني ارضا لان هدفك نصرة دين الله عز وجل، اما الآن، فقد كنت تريد كسر شجرتي التي يعبدها الناس لانني قطعت عنك الدينار الذهبي اليومي!! لقد نصرك الله عندما نصرت دينه، وهزمت يوم اردت الانتصار.. لمصالحك!! انتهت حكاية «إبليس اللعين» مع.. «الحطاب المنافق»!! هذه «الحزاية» نهديها إلى «المملوح» وليد الطبطبائي وبقية الاخونجية والسلفجية «السذج» في قافلة «الابطال» الذين ذهبوا بمائة طن من المساعدات ولم يتمكنوا من ايصال – حتى – «قوطي فول» الى.. شعب غزة!! ارادوا «دنانير» الدعاية السياسية و«البروباغندا – الذهبية» لاحزابهم فنصر الله تبارك وتعالى اليهود.. عليهم!
٭٭٭
.. الاسرائيليون – فعلوا ما فعلوا – بسفن المساعدات من اجل توجيه صفعة قوية للاتراك على دورهم في اتفاق تخصيب اليورانيوم الايراني مع البرازيل، وانقرة – فعلت ما فعلت – من اجل توجيه رسالة الى الاتحاد الاوروبي.. «ان لم تقبلونا عضوا في الاتحاد، فسوف نصبح ألعن من.. أبونضال وأبوتيسير وأبوالعبد في.. الشرق الأوسط»!! خالد مشعل و«اسماعيل هنية» وبقية مطاوعة حركة «حماس» كانوا الرابح الاكبر من كل الدماء التي اريقت على البواخر و«البهدلة» التي نالها الضحايا في تشتيت اذهان شعبهم الغزاوي المحاصر عن ممارسات قادته – من عملاء ايران – الذين جعلوا من مجرد حصول المواطن الفلسطيني على «علبة سجائر» اشبه بحلم الحصول على «بوسه» من.. «هيفاء وهبي»!! وفي نفس الوقت، لم يضيعوا وقتهم سدى، فقد ارسلوا طلباً لـ«مرضعيهم» في طهران بارسال عدة مئات من الملايين من الدولارات.. «لزوم المقاومة و.. دفع تعويضات – للشهداء – الاتراك»!! طبخة تشبه خلطة «الشكشوكة»، و«الأخت الداعية المنقبة» تقول في حديث صحافي – يوم امس – «لم أكن أتوقع هذا العدوان الهمجي من الاسرائيليين»!! «الأخت» تعتقد انها كانت ذاهبة في «كشتة برية» بين «المنقف» و«أبوحليفة»، لان قادة حزبها الديني الذين ارسلوها في تلك الرحلة العبثية كانوا يريدون من الرصاص الاسرائيلي ان يمزقها حتى يتحول دمها الى وقود «خال من الرصاص» لماكينة عملهم السياسي البرلماني!
٭٭٭
.. كما قالت الفنانة «سهير البابلي» – في دورها كمعلمة خلال مسرحية «مدرسة المشاغبين» الشهيرة – «ودلوقت لعبنا، وضحكنا، وهيصنا، وبعدين؟ هناخد السنة كلها هرج في هرج.. واللا إيه»؟! لذلك، أقول لـ«المملوح» وبقية «الأبطال» العائدين.. «خلاص، رحنا، وانطقينا، وتبهدلنا، وانسحبنا، وتعورنا، وعطشنا، وجعنا، ورجعنا ومعانا كل قواطي الحمص والفول اللي ما وصلت»، و.. بعدين؟! هل سنستمر في هذا الهرج ونكرر ادخال بلدنا في ازمة تلو اخرى؟ أم نلتفت لبناء وطننا حتى يصبح قويا وكبيراً ومهابا بين.. الأمم؟!
٭٭٭
.. «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» دعا الى.. «اختطاف وزراء وأمراء سعوديين»!! لماذا لا يدعو – ويعمل – على اختطاف وزراء ومسؤولين اسرائيليين؟ ام ان ذلك.. «بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»؟!

قلة مستبدة وغالبية مستعبدة

إن البحث عن مخلص ليعيد الحقوق المسلوبة للضعفاء ويحقق العدل لهم، هي فكرة قديمة والتاريخ مليء بالقصص التي تروي عن أولئك المخلصين، ولكل مجتمع حكاياته القديمة وأساطيره القديمة، فليس كل حكايات الأبطال في التاريخ حقيقية، أحيانا يبالغ بها، لأن هؤلاء الأبطال سيصبحون نماذج للجيل الجديد، كما حدث لبطل رواية «دونكيشوت» الذي صدق قصص التاريخ وحاول أن يكون مثل «فرسان العصور الوسطى النبلاء».
وكان لكل مجتمع في العصور القديمة أبطاله، وكانت كل المجتمعات تنتظر قدومهم، لأن المجتمع تم تقسيمه إلى قلة مستبدة وغالبية مستعبدة يتم تسخيرها لتحقق رفاهية المستبدين.
وكان الملخص العظيم «والتافه الذي لن يكترث له أحد إن هزم» إن انتصر سيتم تحويله من قبل سلوك الضعفاء إلى مستبد جديد، لأن الغالبية قبلت بتقسيم المجتمع إلى غالبية مضطهدة وقلة مستبدة.
مثقفو بعض المجتمعات عملوا بقوة على هدم فكرة البطل أو ذاك التقسيم المتعارف عليه «قلة مستبدة وغالبية مستعبدة»، واستطاعوا انتزاع الغالبية المستعبدة من الأوهام التي زرعها في رؤوسهم كهنة المعابد الذين حققوا أرباحا كبيرة من ذاك التقسيم القديم، فهم أقنعوا الغالبية بأن عليهم الصبر والانتظار ليأتي المخلص، وأن يقدموا القرابين إلى الكهنة لتقدم «للآلهة» حتى ترسل المحارب الذي سيقتل المستبدين ويحررهم من هذا الظلم.
كان الكهنة يعملون لإبقاء الوضع على ما هو عليه، لأنه يحقق مصالحهم، ويرفضون ثورة التنوير الذي قادها المثقفون.
وكان المثقفون يعلمون الإنسان أن عليه ألا ينتظر أحدا وأن يدافع عن حقوقه، وقبل هذا أن يؤمن بقيمته وأنه لم يخلق ليتم استعباده من قلة مستبدة أو بطل سينقذه ثم سيضطهده.
لهذا تجد أن المجتمعات المتطورة لا تنتظر مخلصين، أو غالبيتهم يكافحون ويصنعون لأنفسهم قيمة في هذا الوجود، ويدافعون بالأنظمة عن أنفسهم وحقوقهم.
فيما المجتمعات القديمة، مازالت تقبل بهذا التقسيم، وتنتظر المخلص، وإن تأخر قدومه، بدأت تصرخ على أبطال التاريخ ليخرجوا من شقوق الزمان، عل حقوقهم تعود لهم.

فشة خلق

أثناء دراستي في عقد السبعينات بالولايات المتحدة الأميركية، سرق أحد اللصوص عجلات سيارة جاري العربي من موقفها أسفل العمارة التي نسكنها، وجاءت الشرطة، وعاينت العربة والمكان، وتوجه أحد رجالها لصاحب العربة منبها إلى أنه في حالة العثور على اللص فإن عليه الاتصال بالشرطة، فتعالى صوت صاحب السيارة منفعلا – على طريقة بعضنا في المبالغة – وهو يقول: «لو عثرت عليه سأشرب من دمه».

لم تلق هذه العبارة لدى الحضور من العرب أي اهتمام، لأنهم يدركون أن الأمر ضرب من المبالغة، فلا صاحب العربة «دراكولا»، ولا اللص سيعود ليعلن أنه الذي سرق العجلات، لكن البوليس أخذ كلام الرجل العربي على محمل الجد، وهو يقول لصاحب العربة المنفعل بلغة حازمة: «إن شرب الدماء عمل إجرامي، يعاقب عليه القانون».

وراح الجيران في العمارة يسألوننا بجدية إن كان صديقنا العربي من فصيلة تشرب دماء البشر، وعلى الرغم من نفينا، فإنهم ظلوا يتحاشون الرجل في خروجه ودخوله إلى العمارة، وغدا منبوذا إلا من أصدقائه العرب، فالكل أخذ العبارة على محمل الجد، ولم يعتبروها مجرد «فشّة خلق»، كما تعودنا أن نعتبرها في العالم العربي، فخافوا على دمائهم من أنياب صديقنا العربي، التي صادف أن كانت على درجة لافتة من البروز.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرأ خبرا بعنوان: «طالب سعودي يهدد بتفجير جامعة أميركية»، فالطالب – الذي حصل على درجات متدنية في معهد اللغة – أراد أن «يفشّ خلقه» على مسامع البعض، فهدد بأنه سيفجر الجامعة، واعتبر الناس هناك ما قاله تهديدا حقيقيا يتطلب حالة طوارئ، فأخلت فرق الإنقاذ الحرم الجامعي، وبدأت عمليات بحث مكثفة، امتدت إلى منزل الطالب في محاولة للعثور على القنابل التي يعتزم استخدامها في التفجير، كما بحثوا في سجل الطالب وملفاته، ولم يجدوا شيئا يعزز ظنونهم، فاعتقلوا الطالب، ثم أطلقوا سراحه بعد ذلك بكفالة، وسيمثل أمام المحكمة الأميركية في 18 من الشهر الحالي لتهديده بتفجير الحرم الجامعي.

هكذا أدخل الطالب نفسه في ورطة من حيث لا يدري، حينما ظن أن الكلام في أميركا ليس عليه «جمرك»، فزاد جرعة «البحبحة»، و«فشّة الخلق»، وكانت النتيجة توقيفا، ومحاكمة، وقد يصل الأمر إلى حد ترحيله من البلاد. فيا مبتعثي العرب إلى أميركا: «لسانكم حصانكم»، شدوا زمامه، واقتصدوا في القول، فالكلام عليه رسوم، وحساب، ومسؤولية.

اسر انجذاب الأمريكيات والأروبيات للرياض

كثيراً ما يدور النقاش عن سر الانجذاب لمدينة الرياض! بالرغم من أنها مدينة تفتقر إلى بعض.. وبعض من مجالات الترفيه التي تميز مثيلاتها من المدن حول العالم. كما أنها تعاني أحياناً أضعاف ما تعانيه المدن التي في حجمها ومساحتها من حيث أزمة السكن وصعوبة المواصلات.

ناهيك عن غلاظة أسلوب بعض من سكانها؛ وتكبيلهم أنفسهم ومن يقيم فيها معهم بتقاليد اجتماعية تضيق عليهم فرص الاستمتاع بوسائل الترفيه المحدودة المتاحة، فوسائل الترفيه فيها؛ تسوق … تسوق … ثم تسوق! وحتى هذه المتعة تشوبها الكثير من المنغصات مثل السماح بالتدخين في مراكزها التجارية! كثرة المضايقات والتدخلات في الحرية الشخصية!.. وإغلاق المحلات فترات طويلة أثناء النهار!

أما المطاعم لو خطر ببالك أن تدعو أصدقاءك أو تذهب مع عائلتك لتناول وجبة الطعام فيها، فستفاجأ بحشرك في صندوق ضيق، أصغر مخزن في بيتك أكبر منه، ثم يغلقون عليك الستائر، لتجد أن غرفة الطعام في بيتك أكبر وأشرح!

وإذا كنت من عشاق الطبيعة وتحب الصحراء، فهذا العشق سيكلفك غالياً، فيجب أن تمتلك سيارة من ذوات الدفع الرباعي، ومخيما بكامل تجهيزاته واستعداداته، ولن يسمح لك الطقس بتحقيق متعتك أكثر من 3 أشهر في السنة.

أما الحدائق العامة فهي لليمام والعصافير! فمزاج سكان الرياض غريب! فهم يفضلون التنزه وممارسة رياضة المشي على أرصفة شوارع معينة، يستنشقون الهواء المعبأ بغازات عوادم السيارات، بدلاً من الهواء النقي بين الأشجار! وحديقة الحيوان ليست للنزهة، هي فقط لصغار رياض الأطفال ضمن رحلاتهم المدرسية!

كنت أعتقد أن ما يجذبني للرياض، وسبب حبي لها وحنيني إليها أيام غربتي، هو أنها عاصمة وطني، وفيها أهلي وبيتي وذكريات طفولتي وصباي، لكن محبة صديقاتي الأمريكيات والأروبيات للرياض قد حيرتني!! فأجمل هدية تقدم لهم تأشيرة زيارة للمملكة! وأتساءل ماذا يجذبهم للرياض؟! فليس لهم فيها أهل ولا تربطهم بها حنين لذكريات!

هل هو يا ترى سحر الصحراء؟ الذي لم يجد الشعراء ولا الأدباء ولا المفكرون تفسيراً منطقياً له! أم أن موقع الرياض على الكرة الأرضية هو ضمن مجال مغناطيسي جاذب قوي.

ضيق الأفق

متى نصحو؟ متى نتجرد للحقيقة؟ متى نكون صرحاء مع أنفسنا والناس؟ متى نواجه مشكلاتنا بشجاعة؟ ما زلنا نضيق بالنقد ونعشق المدح ونطرب للثناء ونخفي جراحنا وندفن أخطاءنا ونرفض الاعتراف بمآسينا، مثقفونا يتراشقون بالتهم، الإداريون يلقون مسؤولية الكوارث على الطبيعة والأمطار والرياح والجبال والأودية وليس فيهم من يعترف بخطئه، بل يقذف بالكرة في مرمى الآخرين ويبحث عن ضحية يشنقه أمام الجمهور، العالم الآخر يناقش قضاياه تحت قبة البرلمان ورئيس أكبر دولة في العالم يقول لشعبه: آسف آسف.

ما نفعت فينا الشريعة ولا أي ثقافة، أزور المشايخ فإذا الكل معجب بنفسه ويمدح ذاته، أجلس مع التجار فإذا كلهم يرون أنهم هبة من الله للأمة، وأجلس مع القبائل فإذا كل قبيلة تغني بأشعار الشجاعة والتضحية ومقصودهم حروب السلب والنهب قبل توحيد السعودية على يد قائد الثورة عبد العزيز بن عبد الرحمن، الأدباء عندنا والكتّاب في أبراج عاجية، رضينا كلنا عن أنفسنا، الكل منا أخذ مقلبا في نفسه.. تدخل على الموظف تريد أن تجامله بعبارة وتجبر خاطره بكلمتين فيأخذ الحديث عنك ويلقي عليك محاضرة طويلة ثقيلة وبيلة عن إنجازاته الشفوية ومشروعاته الوهمية.. أغلب المشايخ يشكون لك من تنكر الناس لهم وعدم معرفة العامة بمنزلة أهل الفضل، ويقصدون أنفسهم، وبمكانة أهل العلم ويعني ذاته.. ليس فينا واحد يعلن مسؤوليته عن خطأ وقع أو خلل حدث، فالإعلام في العالم العربي مهمته الإنكار والتبرير والتغني بالمنجزات التي حسدنا عليها (المجلس الأوروبي)، وانذهل منها (الكونغرس) واندهش منها (الكرملن)، وعجب منها (النمور الآسيوية).. عندنا حساسية من النقد نرفضه ولا نقبله، ومن نقدنا فهو عدونا، ونهش للمديح ونسكر بالثناء ونخدر بالإطراء، فمن شكرنا وتغنى بأمجادنا فهو حبيبنا.. العامة يغردون بمجد القبيلة ويتغنون بأمجاد الأجداد بين الخيمة والناقة والثور والبئر، والكتّاب في الغالب يتحرشون برموز المجتمع من مسؤول أو عالم أو وزير أو مثقف، لأن مجدهم في إلقاء التهم وصلب المخالف على خشبة الموت.

أقول: هذا ليس من باب جلد الذات لكنها الحقيقة، فقد خالطتُ كل الشرائح في المجتمع وجالستهم وأنا واحد منهم، أصابني الداء نفسه الذي أصابهم، نحب تقبيل الرؤوس وبوس الخشوم وكلمة الإطراء، ونغضب إذا جُردت أسماؤنا بلا ألقاب، كان الصحابة يقولون للخليفة مباشرة بشفافية وصراحة: يا أبا بكر، يا عمر، يا عثمان، يا علي، وكذلك فعل العالم الآخر ينادون رموزهم بالأسماء المجردة، لكن عندنا لك الويل يوم تجرد أحدا من ألقابه العلمية والتراثية، نحن نستر الجرح ولا نعالجه، ونخفي الخلل ولا نصلحه، وندفن الخطأ ولا نواجهه، ما سمعت أحدا منا اعتذر يوما ما أو قال: أنا المسؤول عما حصل! ولهذا سوف تستمر أخطاؤنا؛ لأن أول الإصلاح الاعتراف بالخطأ، نحن نعيش على معزوفة الشاعر جرير بن عطية، حيث يقول لعبد الملك بن مروان:

  • ألستم خير من ركب المطايا – وأندى العالمين بطون راحِ
  • فنحن خير من ركب المطايا، وشرب المنايا وحفظ الحكايا وجلس في الزوايا، أما غيرنا فلا يغرك ولو صعدوا إلى سطح القمر أو وصلوا المريخ أو غزوا قاع البحار، أو عمّروا حياتهم الدنيا، فهم طروش بحر ليسوا مثلنا في الأصالة والبسالة؛ لأننا حافظنا على تراثنا القديم من الرحى والرشا وجفنة العود والفأس وقدح الخشب وحبال السلب، فما شاء الله تبارك الله علينا! الله يحمينا من العيون، الله يحصننا من الحسد، الله يدافع عنا من كيد العالم، سوف نستمر في الدعاء على الأميركان والأوروبيين واليابانيين والصينيين والكوريين؛ لأنهم يتربصون بنا الدوائر غيرة وحسدا.